الأربعاء، 9 مايو، 2012

النص وسؤال المنهج

النص وسؤال المنهج
قراءة في فكر محمد مصايف النقدي
النص وسؤال المنهج:
إذا كان المنهج في تعريفه المتداول يتمثل في مجموعة من المفاهيم والتصورات المتصلة والأدوات والخطوات الإجرائية التي تفضي إلى نتيجة ما، فإنّ الإشكالية تظهر عند صعوبة ترتيبها وتنسيقها بالشكل الّذي يجعلها تؤدّي إلى النتيجة المنشودة، ولمّا كان "النّص عالم مهول من العناصر اللّغوية المتشابكة"1 فقد أضحى التعامل مع هذه المادة أشدّ تعقيدا وتداخلا -لكونها تستميّز عن الظواهر والأنساق الثقافية والمعرفية الأخرى- مما جعل الكثير من النقاد يتساءلون: هل من منهج لفهم النّص ونقده؟
من هنا تبرز هذه الإشكالية في الصراع الممتدّ بين اتجاهين اثنين: يرى الاتجاه الأوّل أن النّص الأدبي علّة لمعلول سابق ينبغي الكشف عن دلالاته بربطه بسياقه الخارجي، ويدخل في هذا المجال المنهج التاريخي والمنهج الاجتماعي والمنهج النفسي والأسطوري بينما يحاول الاتجاه الثّاني أن يدرس النّص الأدبي انطلاقا من العلاقات الداخلية التي تحكمه كالشكلانية والبنيوية والتفكيكية...
وهناك من يطمح إلى الجمع بين الاتجاهين: داخل وخارج النّص، كالبنيوية التكوينية.
يرى أصحاب التوجّه الخارج نصي أنّ "النّص متحرك مفتوح يؤثر ويتأثر، وله تفاعلاته الذاتية والموضوعية وهو أداة فنية طبقية، والإنسان كائن تاريخي زمني لا تزامني، وهو بهذا المعنى يسهم (من خلال الأدب وغيره) في تشكيل العالم وتفسيره وفق الشرط التاريخي والقوانين الاجتماعية التاريخية التي تتحكّم بصيرورة العالم، فالنص متغيّر وكذا الإنسان والعالم2. ومن واجب المبدع أن يرصد هذا الواقع رصدا آليا، ذلك على أساس أنّ الكتابة الأدبية ليست حقيقتها إلاّ امتداداً للمجتمع الّذي تَكْتُب عنه، وتُكْتَب فيه معا. كما أنها ليست، نتيجة لذلك، إلاّ عكسا أمينا لكلّ الآمال والآلام التي تصطرع لدى النّاس في ذلك المجتمع3. هذا الموقف يجعل العلاقة بين النصّ والواقع علاقة تناظر أو علاقة انعكاس وبذلك تلغى إبداعية النصّ وتحيله من إنتاج فنّي متميّز إلى ظاهرة اجتماعية تخضع لقوانين المجتمع مثل كلّ الظواهر الاجتماعية التي لها طابع مادّي أو نفعي آني بظهر هذا معارضة هؤلاء للواقعية الرومانسية في تمجيدها للذّات المبدعة وحشرهم للنّص في إطاره ألمضموني وإغفالهم لإطاره اللّغوي في حين أن الفنّ "ليس انعكاسا سلبيا بل هو إسهام في التعرّف على الواقع وأداة شحنة وسلاح لتغييره... إنّ الواقع يبدو في الفن أكثر غنى من حقيقته الواقعة لأنّ الفنّ لا يقف عند الواقع في معطياته الخارجية المباشرة إنّما يتخّطى هذه المعطيات إلى إدراك جديدها فيبدو الواقع في صورة جديدة له صورته الفنيّة وهذه الصورة الفنيّة أكثر اكتمالا من أصلها لأنّها تلمّ ما بدا مبعثرا من عناصره وتوضّح ما بدا غامضا من مغزاه. إن الفنّ وإن كان ما مصدره الواقع إلاّ أنه يتجاوز الماثل في الواقع إلى اكتمال ما يشوبه من المثول ومن المباشرة الواقفة عند حدّ المرئيّ والملموس. فينتظم الشّوق إلى الاكتمال والحلم بما لم يقع واستشراف مستقبل آت ويتحرّر مفهوم الفني من الانعكاس السلبي. فينظم الذاتية الغنائية في وعيها بالحقيقة العيانية"3. هناك إذا علاقة ألفة بين الواقع والفنّ، علاقة جمالية تصبح فيها وظيفة الفنّ استدراك للنّقص الماثل في الواقع وإعادة للعلاقات التي تحكمه في قالب فنيّ جماليّ. هذه الملاحظات تأتي لتأكّد أنّ من مهام النّقد الأدبي "هو بيان مدى التلاحم والانسجام بين العلاقات الداخلية للنّص أي القوانين الخاصة التي تحكم الظاهرة الأدبية وعلاقتها بإطارها الخارجي أي القوانين العامة التي تحكمها، فعدم الوعي بديناميكية العلاقة الداخلية والخارجية وجدليتها يؤدّي إلى إغفال الصفات النوعية للظاهرة الأدبية، كما قد يؤدّي إلى التركيز على جانب من جوانبها، أو إغفال دلالتها إغفالاً تاما"4، وهي أمور تفضي بالضرورة إلى رؤية الظاهرة الأدبية على أنّها وثيقة تاريخية أو نفسية أو مجموعة مقالات سياسية أو النظر إليها على أنّها وحدة فنّية مستقلّة.
وبذا، فإنّ النّص لا يحقق وجوده الفعلي إلاّ إذا وضع في إطاره المرجعي وَوُعِي وعيا كليا على أنه كلّ متكامل، بحيث لا يمكن الفصل بين شكله ومضمونه.
أمّا أصحاب الاتجاه الدّاخل نصّي فيخلصون إلى أنّ النّص الأدبي "شكل مستقل، بل هو عالم قائم بذاته، ليست له علاقة مع ماهو خارج عنه وعن النسق الذي يدخل فيه، ومن أنّ دلالة الأشكال هي من النوع الوظيفي فقط. معنى هذا أنّ الأعمال الأدبية في نظر هؤلاء تكتسب دلالاتها من أشكالها في حدّ ذاتها ومن أنظمتها الداخلية"5 ومثل هذا الكلام يحيلنا إلى ما آثاره النقاد القدامى حول مسألة "اللّفظ والمعنى" وذهبوا إلى أنّ "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي... وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللّفظ وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطّبع وجودة السبك"6 ولهذا فهم (أصحاب الداخل نصّي) ينظرون إلى النصّ الأدبي على أنه ظاهرة لغوية بالدرجة الأولى ويرفضون بذلك كل المناهج النقدية السياقية كالمنهج النفسي والتاريخي والاجتماعي والرأي عندهم أنه لا يمكن تفسير النص الأدبي اعتمادا على نفسية الكاتب وسيرته أو سيرة عصره. فمهمّة الناقد هي ولوج النّص والتركيز على قوانينه الداخلية وبنيته العميقة فالنصّ ليس "أكثر من مجموعة إمكانات لغوية تركّزت بطريقة خاصة في الاعتماد على مجموعة من الأحكام اللغوية البنيوية الرفيعة"7.
بل لا يتعدى أن يكون "مجموعة من الجمل"8 التي تخضع للوصف الصوتي والتركيبي والدلالي من أبرز ممثلي هذا الاتجاه جوليا كريستيفا (Julia Kristeva)، التي ترى أن الأدب بنية لغوية مغلقة... (وأن) العمل الأدبي ميكانيكيا آلية لغوية مفرغة من كلّ محتوى اجتماعي أو حضاري أو جمالي أي أن النصّ الأدبي جهاز لغوي بالدّرجة الأولى مغلق على ذاته (البنية الداخلية للنصّ) ومعزول على أيّ سياق اجتماعي أو تاريخي"9. نلمح أثر "علم اللّغة الّذي تزعّمه العالم السويسري فرديناند دي سوسير (Ferdinand de Saussure) حين عرف اللّغة على أنّها نظام من الإشارات وكشف عن مفهوم "البنية" وقد أعلن الكثير من المفكرين أن الباحثين في الأدب اقترفوا خطأ جسيما -من الوجهة النظرية- عندما أخذوا من علم اللّغة مصطلح البنية بشكل سطحي دون ثقافة لغوية حقيقية، فعزلوه عن جهازه، فمنذ "سوسير" ومهمّة عالم اللّغة تتمثل في أن يميّز في مختلف الوقائع اللغوية الأبنية المناسبة، أي ذات الوظيفة. وإذا كانت هناك جدوى من استعارة مفهوم البنية في النقد الأدبي فهي تتوقف على إدراك هذه الحقيقة: وهي أنه ليست كل الأبنية التي يمكن اكتشافها في العمل الأدبي مناسبة، أي ذات وظيفة فنية وجمالية في الأدب. فالبنية الماثلة في الرواية مثلا يمكن أن تشير إلى شيء في عملية الإبداع، أو سيرة المؤلف الذاتية، أو تضيف إلينا معلومات عن قصده أو ما كان يشغله وقد تكون هناك بنية أخرى ذات وظيفة تاريخية أو اجتماعية أو نفسية، أو متصلة بتاريخ الأدب والثقافة.
وكذلك ألفينا البنيويين والشكلانيين يرفضون المرجعية التاريخية جملة وتفصيلا، ويرون أن النصّ بنية ثابتة مغلقة تستوحي حركتها من داخلها دون الاكتراث بما هو خارج النص فالحركة التاريخية التي يريدون هي الحركة التي "الزمن فيها يظل زمن الأدب نفسه"10.
في هذا المفترق يبزغ لوسيان جولدمان (Lucien Goldmann) (البنيوية التكوينية) بفكره النقدي الذي يحاول أن يقف موقفا وسطا بين الاتجاهين، ففسّر النّص الأدبي انطلاقا من علاقاته الداخلية والتي تحيل إلى الجوانب الخارجية التي تحيط به وقد استمدّ جولدمان مفاهيمه النّظرية من الماركسية ومن النتائج التي توصّل إليها "جان بياجيه". يعطي جولدمان التركيب النظري الّذي وصل إليه اسم: "البنيوية التكوينية" قوامها فرضية نظرية أساسية، "ترى في كل سلوك إنساني، مهما تعددت مواقعه، إجابة دالة على موقف معين، غايته إقامة توازن بين الذات الفاعلة والموضوع الذي تتوجّه إليه. وهذا التوازن هو الّذي يفسّر العلاقة بين العمل الأدبي والعناصر المكوّنة، بقدر ما يشرك العلاقة بين الوعي الفردي والوعي الجماعي، في علاقتهما بالعمل الأدبي، اعتمادا على مبدأ تناظر البنى العقلانية، الموحد بين العمل والجماعة التي يعبر عنها"11. وقد أخذ جولدمان بفكرة "لوكاتش" G.LUKAC'S حول "الرؤية الكلية" وطوّرها إلى ما يعرف بفكرة "رؤية العالم" Vision du Monde التي تقوم على الربط بين البنية الدالة الصغرى (النّص) والبنية الدالة الكبرى (المجتمع) أي بنية الوعي المرجعية الخاصة بالنّص الأدبي، وقد توسّع في فكرة الوعي وتوصّل إلى أنماط ثلاثة يوضحه المخطط التالي:
تّكاء على هذه الأنماط يطرح جولدمان خلاصة مفادها أن العمل الفني لا يعبّر عن المبدع الفرد إنّما عن المجموعات الاجتماعية.
في النهاية نصل من خلال هذا العرض أن العلاقة بين الشكل والمضمون علاقة متشابكة وأن النصّ "يوجد هويته بواسطة شفرته (أسلوبه)، ولكن هذه الهوية لا تكون بذي جدوى إلا بوجود السياق"12.
النص والمعرفة النقدية عند محمد مصايف:
إنّ النّشاط النّقدي بما هو صياغة للفعل القرائي ضمن اللّغة ووفق إكراهات النص ومرجعياته الإيديولوجية يفرض جملة من المعايـيـر الموضوعية التي تدفع الناقد إلى سجال معرفي يقوم على الكرّ و الفرّ لأنّ الدخول في الأدب "عمل يشبه حالة الفروسية فهو غزو وفتح يتّجه فيه القارئ نحو النص الذي هو المضمار له. وإذا ما كتب القارئ عن تجربته هذه مع النص فهو إذا ناقد، وما الناقد إلاّ قارئ متطوّر غزا النص وفتحه ثم أخذ يروي أحداث هذه المغامرة"13.
إنّ النّقد حالة إلتزام، إنّه إلتزام لا مصدر له سوى القراءة الواعية المتّزنة المفصولة عن كلّ مرجعية أو إنتماء وبالتالي على الناقد أن يبلور مواقفه النقدية بعيدا عن الأحكام المسبقة و بعيدا عن الأحكام التعسفية لأنّ رسالة الناقد السّامية في نظر محمد مصايف – رحمه الله - تفرض عليه "ألاّ ينفعل انفعالا غير مشروع في تناوله للآثار الأدبية عليه أن يتحلّى بالإتّزان والموضوعية والإخلاص في رسالته، وعليه أن يكون محدّد الغاية وأن يكون ملتزما التزاما واعيا "14بعيدا عن الهوى والإغراء والافتنان لأنّ الفعل القرائي الناجح محدد بحدود و مقيد بعقود، أولاها الاتزان فالأثر "الذي يتركه نص ما قد يكون سلبيا أو ايجابيا، بسبب من التوتر النفسي أو التعب الجسدي أو العكس تماما. ولهذا يمكن للقارئ أن يتهيأ تهيؤا كاملا بكليته المتوازنة الهادئة لكي يجري عملية التفاعل مع النص قائمة على المعايشة المتزنة، الموضوعية المستندة إلى العلاقات الفنية فيه بمعزل عن أي تأثّر ذاتي من أي نوع كان، دينيا أو مذهبيا أو قوميا أوجسديا أو نفسيا"15.
وثانيها الحياد والموضوعية في التعامل مع النص الأدبي ف"القارئ الدقيق، المتزن الذي يغيّب ذاتيته المسبقة- مؤقتا- وهو مقبل على قراءة نص ما يستطيع أن يدرك جوهره ويحلّق في فضائه الروحي دون أن يشوهه.وبهذا يصبح باعثا للنص محييا إيّاه لا مشوها له"16.
وثالث تلك العقود "الإخلاص" وكأن بمحمد مصايف يحاول "إرساء قواعد الموضوعية فيما يدرك بغير الموضوعية"17 كما يقول عبد السلام المسدي،لأنّ القراءة الصحيحة تشترط المعرفة التامة بسياق النص والظروف التاريخية التي أنشئ فيها.ومحمد مصايف بهذا المفهوم لا يغفل الطابع الفردي للناقد لأنّ طبيعة المنهج الأكاديمي الذي طالما دافع عنه يرى أن الذوق لازمة لايمكن للناقد أن يتهرب منها "فهذا شيء لايحصل ولو أردناه...لأن للناقد ذوقا لابد أن يتدخل في عمله بطريقة أو أخرى،ومشاعر خاصة واتجاهات عقائدية هي الجو الذي يتحرك فيه الناقد شاء أم كره،وإنما الذي أريد أن أقوله باختصار هو ألا يتسرع الناقد في الحكم على الأثر الأدبي،وان ينتظر قدر إمكانه،ظهور الخط الأساسي لهذا الأثر ظهورا كافيا"18.
وقد لامسنا هذا الطرح من خلال قراءة محمد مصايف- رحمه الله- لمحمد آل خليفة ورده على "أبي حسام" الذي جرد مبدعنا من أي ميزة شاعرية لأنّ قصائده كما رأى تخلو من خاصيتين جوهريتين العاطفة باعتبارها عنصرا مهما لإثارة التشويق بين القراء و"الشعور الذي يقوم دليلا على صدق المشاعر"فهذا نوع من " الأحكام الأدبية التي تتسم بصفة السطحية والتسرع و اللامبالاة"19 يفهم من قول محمد مصايف أن الناقد يحتل مكانا حاسما في أي تحليل أدبي ومن ثمّ لا يمكنه أن يساهم في إنتاج النص بناء على قراءة من ظاهر معناه دون الولوج إلى عوالمه للوقوف على مكنوناته فالقراءة العميقة أو الشاعرية تسعى دائما إلى الكشف عمّا هو في "باطن النص،وتقرأ فيه أبعد ممّا هو في لفظه الحاضر. وهذا ما يجعلها أقدر على تجلية حقائق التجربة الأدبية وعلى إثراء معطيات اللّغة كاكتساب حضاري إنساني قويم"20ولهذا فان الناقد ضمير أعلى لا يصوغ أحكامه استنادا إلى قناعة متسرعة لا مبالية بحركية النص و سياقه لأن"الأديب المنتج لا يحمل قلمه ليتسلى بنظم قصيد،أو كتابة قصة أو مسرحية،بل ليقول شيئا يأخذ بمجامع قلبه و يملأ عليه حياته،يشغل تفكيره الناضج،وهذا شيء يعبر عنه الأديب بأحد الفنون الأدبية المعروفة،ويتخذ لهذا التعبير أسلوبا يناسب الغاية من عمله،و يحترم الفن الذي يكتب في إطاره"21. ولهذا أيضا فهو مطالب بأن "يتأنّى في إصدار أحكامه، حتى يتأكد من صوابها، أو على الأقل من قربها من الصواب، لأنّه سيعرف من خلال النصوص التي يعرضها أنّ مئات من القراء يشاركونه في قراءة وفهم هذا النص، وأنّ لهؤلاء الحق المطلق في أن يروا رأيه أو في أن يخالفوه رأيه فيما يصدر من أحكام"22 والواقع أن ما يشير إليه محمد مصايف هو ما اصطلح عليه في نظرية القراءة بمصلح القارئ الضمني أو القارئ العليم، ذو الكفاءة والرؤية المعرفية التي تحتّم على الناقد التقيّد بأعراف الممارسات الثقافية المشتركة لدى جماعة من القراء.
إنّ إدارة الحوار مع النص بكل معانيه اللغوية والأدبية والتاريخية والسياسية لا تعني النيل منه و إنما تسعى دائما إقامة اعوجاجه و الكشف عن أسراره "نستفيد مما سلف شيئين:أولاهما هو أن الإنتاج الأدبي و الإنتاج النقدي متلازمان،وان تلازمهما مفيد للحركة الأدبية بخاصة والحركة الثقافية بعامة،وثانيهما إن رسالة الناقد لا تتمثل في هذه الشروح و التلخـيصـات و التحليلات و التبريرات...وأن رسالة الناقد لا تقل أهمية بحال من الأحوال عن الأديب.فالناقد إن كان مزودا بأسلحة الفن وكان هادفا وموضوعيا في كتاباته يضيف إلى أبعاد الأثر الأدبي أبعادا جديدة توسع من مفهومنا للحياة و المجتمع الذي نعيش فيه"23.تلك الرؤى، دفعت محمد مصايف- رحمه الله - فرض "الواقعية" كصبغة أساسية لنجاح أي عمل أدبي " والواقعية لا تعني أن يطرق الكاتب موضوعا وطنيا أو اجتماعيا بأي أسلوب كان، بل تعني قبل كل شيء أن تلبي رغبة ملحة في الجمهور وهي رغبة الفهم، والتجاوب، والهضم"23. هذه المسألة لا تخرج عمّا كان يردّده القدامى بالمقام ومقتضى الحال، فعلى المتكلّم "أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسّم أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسّم أقدار المعاني على أقدار المقامات"24بينما تهدف العملية النقدية إلى حصر الفكرة أو العاطفة التي تبني نسيج النص و الظفر باستجابة الأديب لهذه الفكرة وصدقه في ملء الفراغات التي بثها في مضمونه النصي" ومن هنا كانت مهمة الناقد في هذا الميدان المزدوجة تتمثل في المرحلة الأولى في تحديد الفكرة أو العاطفية أو القضية السياسية التي يعالجها الأثر الفني،وفي المرحلة الثانية في معرفة ما إذا كان الأديب قد نجح في إطاره الفني العام،وفي ملء هذا الإطار بالأفكار و المشاعر المناسبة بالطريقة التي يتطلبها الفن الخاص الذي يكتب فيه الأديب.وهي مهمة من الصعوبة بمكان ولذلك يتجنبها معظم نقادنا طلبا للراحة والعافية"25.كما يرى محمد مصايف أن المزاوجة بين اللفظ والمعنى هي عقل القراءة الصحيحة فمن الخطأ أن نلتمس جماليات النص من خلال القراءة السطحية ف"مهمة الناقد في هذا الجانب لا تنحصر في الحكم على اللغة من حيث الرقة و الخشونة،أو الغرابة أو الابتذال،أو الواقعية و الخيال،بل من حيث موافقتها كما سبق للموضوع العام أولا و الأساليب المستعملة ثانيا"26.
ثمة إشكالية أخرى إذ كيف يمكن مقاربة النصوص مقاربة علمية دون الزيغ عن جادة الصواب الذي يمليه النقد الممنهج فطبيعة الأثر الأدبي تستدعي "تحديد المنهج قبل الممارسة ،لأن هذا التحديد يعصم الناقد من عشوائية مضرة،ويجعله يدرس العمل الأدبي دراسة موضوعية تعتمد على الشاهد المأخوذ من النص المدروس لا على الشاهد المقتطع من مطالعات نقدية سابقة"27.
وبعد فإنّه مهما يكن من اختلاف وتنوّع في المواقف فلمحمد مصايف-رحمه الله- كلّ الفضل في إثارة جملة من الأسئلة التي كانت لها نتائج مهمة على سيرورة النقد الأدبي في الجزائر ذلك أن الكلام عن القارئ، الناقد قد فتح الحدود الفاصلة بين الدراسة الأدبية والنظم المعرفية الأخرى.
مراجع الدراسة:
1- عبد الله محمد الغذامي، الخطيئة والتكفير -من البنيوية إلى التشريحية- (الكويت: دار سعاد الصباح، الطبعة الثالثة، 1993)، ص14.
2- شكري عزيز ماضي، من إشكاليات النقد العربي المعاصر، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسة والنشر، الطبعة الأولى، 1997)، ص17.
3- عبد المنعم تليمة، مقدمة في نظرية الأدب، (لبنان: دار العودة، الطبعة الثانية، 1979)، ص210.
4- عبد الملك مرتاض، في نظرية النقد، (الجزائر: دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، 2002)، ص132.
5- شكري عزيز ماضي، من إشكاليات النقد العربي المعاصر، ص28.
6- عبد المالك كاجور، النص الأدبي في ضوء الاتجاهات النقدية الحديثة، في مجلة "اللّغة والأدب"، جامعة الجزائر، العدد11، 1997، ص39.
7- الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر، الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1969)، ص ص131-132.
8- موريس أبو ناضر، الألسنية والنقد الأدبي، (بيروت: دار النهار، 1978) نقلا عن شكري عزيز ماضي، ص31.
9- حسين خمري، فضاء المتخيل -مقاربات في الرواية- (الجزائر: منشورات الاختلاف، د.ط، 2002)، ص63.
10 -R.Barthes, lettres Françaises, du 02 mars 1967
نقلا عن عبد الملك مرتاض، في نظرية النقد، ص214.
11- فيصل دراج، نظرية الرواية والرواية العربية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1990)، ص51.
12- عبد الله محمد الغذامي، الخطيئة والتكفير، ص10.
13-المرجع نفسه،ص06.
14-محمد مصايف،دراسات في النقد و الأدب)الجزائر:الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،د.ط،1981(ص18.
15-حسين جمعة،المسبارفي النقدوالأدب)دمشق:اتحادالكتاب العرب،د.ط،2003(ص42.
16-المرجع نفسه،ص43.
17- عبد السلام المسدي،الاسلوبيةوالاسلوب-نحو بديل ألسني في نقد الأدب)تونس:الدار العربية للكتاب،د.ط،1977( ص57.
18-محمد مصايف،دراسات في النقد و الأدب،ص ص13-14.
19-محمد مصايف، فصول في النقد الأدبي الجزائري الحديث)الجزائر:الشركة الوطنية للنشر و التوزيع،الطبعة الثانية،1981( ص07.
20-المرجع نفسه،ص06.
21- عبد الله محمد الغذامي، الخطيئة والتكفير،ص76.
22-محمد مصايف،دراسات في النقد و الأدب،ص11.
23- محمد مصايف، فصول في النقد الأدبي الجزائري الحديث،ص10.
24- المرجع السابق،11.
25-المرجع السابق،78.
26-الجاحظ الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان و التبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون،ج1 (القاهرة: مكتبة الخانجي، الطبعة 5، 1985)، ص ص138-139.
27- محمد مصايف،دراسات في النقد و الأدب،ص13.
28-المرجع نفسه،ص13.
29- المرجع نفسه،ص ص25-26.